ابن النفيس
12
المختار من الأغذية
ويذهب بعض المؤرخين إلى أن ( معبد الدير البحري ) الذي أقامته الملكة حتشبسوت سنة 1500 قبل الميلاد ، كان أول مستشفى في التاريخ « 1 » . وهم يعتمدون في ذلك على بعض النقوش المسجلة على جدران المعبد ، وعلى أن مناخ المنطقة التي بني بها المعبد يفيد المصابين بالسل . ومع ذلك ، فإنني أرجح أن تكون زيارة المرضى للمعبد كانت للتبرك والابتهال إلى الآلهة بالشفاء ، ولم تكن نزولا في مستشفى بالمعنى الذي نفهمه الآن . . فشتّان بين المعابد والمستشفيات . ولم يتخلص الفن العلاجي عند المصريين من آثار السحر تماما ، فقد كان الكهنة يخلطون خبراتهم الطبية بقدراتهم الروحية على شفاء المرضى ، ولم تكن التمائم أقل شيوعا بين الناس من حبوب الدواء ؛ فقد كان الزكام مثلا يعالج بهذه العبارات السحرية الطريفة : اخرج أيها البرد يا ابن البرد . يا من تهشّم العظم ، وتتلف الجمجمة ، وتمرض مخارج الرأس السبعة . اخرج على الأرض . دفر ، دفر ، دفر ! ويعقب ول ديورانت على ذلك ساخرا ، بقوله : أكبر الظن أن هذا العلاج ، لا يقل في مفعوله ، عن أي علاج نعرفه اليوم لهذا المرض القديم « 2 » . وقبل أن ننتقل من مصر إلى غيرها من الحضارات القديمة ، لا بد من الإشارة إلى نقطة دقيقة ، وهي أن الطبيب المصري كان أول من استخدم الاستقراء في الحكم على حالة المريض ، وكان يضع في ذيل تذكرة العلاج واحدة من هذه العبارات : حتى يشفى - حتى ينقضي وقت علّته - حتى تعرف أنه وصل إلى نقطة حاسمة . . ونراه يوصي بالأمل ، معتمدا على القوة الشفائية الطبيعية ، أو ينصح بالانتظار حتى يصل المريض إلى نقطة حاسمة « 3 » ، وهي أول صياغة لنظرية طبية سوف تحتل مكانا
--> ( 1 ) انظر المرجع السابق ، ص 98 . ( 2 ) ديورانت : قصة الحضارة 2 / 123 . ( 3 ) سارتون : تاريخ العلم 1 / 118 ، 119 ، وانظر أيضا : H . Breasted : The Edwin Smith , surical PaPyrus Vol . 1 P 47 .